محمد هادي معرفة

36

التمهيد في علوم القرآن

واحد منهما على الآخر فضيلة خصّ بها القرآن . قال : وإنّما تعذّر على البشر الإتيان بمثله لأمور ، منها : أنّ علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربيّة وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل لها ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصّلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها ، إلى أن يأتوا بكلام مثله . . . . وإنّما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى قائم به ، ورباط لهما ناظم . وإذا تأمّلت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ، ولا ترى نظما أحسن تأليفا واشدّ تلاؤما وتشاكلا من نظمه . . . وأمّا المعاني فلا خفاء على ذي عقل ، أنّها هي التي تشهد لها العقول بالتقدّم في أبوابها ، والترقّي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها . . . . وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرّق في أنواع الكلام ، فأمّا أن توجد مجموعة في نوع منه ، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير ، الذي أحاط بكلّ شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا . قال : فتفهّم الآن وأعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمّنا أصحّ المعاني ، من توحيد له عزّت قدرته ، وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان بمنهاج عبادته ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساوئها ، واضعا كلّ شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه ، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات اللّه بمن عصى وعاند منهم ، منبئا عن